الاثنين، يونيو ٢٧، ٢٠٠٥

صراخ جمجمه

عايزين واحد قلبه ميت , يروح الترب , في الليل , ويجيب معاه جمجمة
أي جمجمة؟ قالها عمي معوض متحفز
لاع ، الجمجمة اللي هتصرخ هيه اللي يجيبها
...............
الجو تملأه الزيطه ، تعقبها نوبة من السكون المميت ، كالسكتة الدماغية ، الزيطة _ المقبولة _ مصدرها برطعة الجاموس ، وهيجان ذكور البقر ، في عودتها للبيوت ، بتكرار ممل ، يصاحبها خوار مزعج ، ونهيق متقطع ، ونباح لعين ، وكلمات لا تجدي ، حو – اخط – جر
..............
الجو غائم ، مكتوم الأنفاس ، من غبار الأقدام المهرولة ، رغم بصيص النور ، المنبعث من نصف قرص الشمس
الزيطة ، تتعالي تدريجيا ، حتي تصل منتهاها ، قبيل سكتتها المداهمة ، موقعة بالقلب حزنا ، وبالجسد ارتخاءا وبالعين اغفاءة ، فنوم عميق ، الهم الناتج عن ذلك المنظر ، المؤذن بانقضاء يوم من الأيام ، سرعان ما يزول ، إلا أنه هذه المرة ، شارك هما اخر ، فتضخم مقتربا من الحزن
عمك عيد ابو براهيم ، واحمد ابو متولي جابوا أبوك شايلينه علي الجحش .
قالتها وهي تنكفئ في طريقها لبيت عمي
ملازمة أبي الفراش ، دون حركة ، أمر يصعب قبوله ، لو تابعته من قبل ، يملأ الأرض ، والبيت ، وحلقة الذكر ، نشاطا وحياة
هل يسقط محطوطا علي السرير ، إنه يتظاهر!!! ، فكيف أقبل لمن يجر بقراته الثلاث ، يركب حماره الأسود – ذا البقعة البيضاء في كفله – تاركهم في مربطهم ، ليحضر فطورهم ، ثم متفقدا زرعته ، يعزق ويحرث ويقتلع المندس بها ، شاغلا نفسه بصناعة خيالات المقاته – دون الحاجة – إلا لأنه يكَل من الراحة
وأثناء عودتي من مدرستي الأعدادية ، قرب حقلنا رأيتها ، أختي ، تجري ناحيتي ، منتفشة الشعر ، لابد من كارثة بالبيت
عمك عيد ابو براهيم ، واحمد ابو متولي جابوا أبوك شايلينه علي الجحش .
قالتها وهي منكفئة ، في طريقها لبيت عمي
لم أفهم من الكلام إلا حروفه ، فاسرعت للبيت ، لأجد زحمة مخيفة ، علي عتبته ، ونسوان يرمقنني ، بعيون ، وتشيعني ، بهمسٍ فحيح ، ومصمصة شفاه أعرفها
اقتربت ، غير مدرك للأمر ، بادرني عمي عيد
خير يا ابني ، خير إن شاء الله ، أبوك كويس ، مافيهش حاجه ، دول شوية تعب صغيرين ، وهيروحوا لحالهم
المرة الأولي ، التي رأيته علي فرشته ، ملحوفا بلحافين ،علي رجليه
يا ثابت ، أنا كويس ، ومافيش حاجه ، يا ابني ، دا انا قلت لعمك عيد ، يسيبني كده قد ساعة واللا حاجه ، وهابقي عال
فقد القدرة علي السير ، لم يعد يصلب طوله ، ظل فترة ، عاني خلالها ، وعانيت ، أشد المعاناة ، حاولنا فيها ، كل المحاولات ، ليسترد عافيته ، دون جدوي ، انتهت بلزومه البيت ، مستقبلا – وأنا معه – المعزين ، والمواسين ، والمبشرين بالشفاء القريب ، بإذن الله ، والراوين – لقطع الوقت والملل – قصص الأقارب المشابهه ، التي كتب لها الشفاء . لم نفقد الأمل ، طرقنا باب الأولياء ، والعرافين ، وأهل الودع والأحجبة ، وذوي الخبرة ، والسحرة ، والأطباء
يا ثابت ، يا ابني مامنوش فايده ، دا كله ، شوف مدرستك ، وراعي اخواتك ، هو عنده العفو
راعيت اخوتي ، وراعيت الأرض ، رحت الأرض ، معه كثيرا من قبل ، لم أشعر بفراغه المتروك ، إلا بعد أن رحتها دونه ، كل شبر فيها يسأل في استغراب ، لماذا لم يعد يطأنا بقدمه ، حاولت النسيان ، لكن السؤال الملعون
أبوك عامل اه يا ثابت ؟ ربنا يا ابني يشفيه ، يذكرني بمصبيتنا
روح يا ثابت ، ناديلي عمك معوض ، قل له كلم أبويا
معوض اخوه الوحيد ، قاطعنا لموافقة أبي ، علي زواج أختي الكبري ، من ابن سيد أبو عكوش ، المدين ابوه لعمي بتمنميت جنيه ، حق شركته ، في جاموسه
عمي معوض ، طيب ، عبوس ، وصليب الرأي ، كان يأتي عندنا صامت ، كالأغراب ، يجلس عند قدم أخيه ، مستقبلا الزوار ، وموصلهم لخارج البيت ، كمهمة يؤديها باتقان .
لكنني ، ألمح في عيونه الزائغة ، حب جارف ، مكتوم ، تجاه أخيه الملقي علي فرشته ، أراه واضحا ، ذلك الحب ، عند مروري بحقله ، مستوقفني ، خد يا ثابت ، القندلين دول لاخواتك ، شاميكم لسه يا ابني ، ما شدش حيله ، محاولا أن يطرح بعيدا ، شعوره بالزعل ، للقطيعة التي بيننا وبينه ، خاصة ، وأن ابي ، هو أخوه الاكبر ، بكل ما يحمله ، هذا الأعتبار ، من معاني ، وتيقنت من الأمر ، عندما جلسنا ثلاثتنا ، ففاتحه أبي
يا معوض ، يا اخويا ، المصارين في البطن بتتخانق ، وأنا كنت عاوز استر البت ، واهي بنتك برضه ، وابن سيد أبو عكوش ، مننا ، غلبان زي حالاتنا ، وإن كان أبوه ، كل حقك ، استعوض ربنا يا معوض واديك شايفني
ولم يكد يفرغ ابي من الكلام ، حتي تحول وجه عمي العبوس ، لوجه برئ ، ولغته الحاده ، لأخري عذبة لم اتعودها منه
ما تقولش كده يا ابو ثابت ، ربنا يشفيك ، بإذن الله
وانتظرت ، إذن الله ، المتوقف عليه ، مصير أبي ، ومصيري ، وبظهيرة أحد الأيام ، داهمنا عمي ، ومعه رجل غريب ، الملبس ، ولون البشرة ، واللهجة ، والحركة
يعالج بالسحر ، يسمي البربري ، استنكرت أن يشفي ابي ، علي يديه ، فجأة ، قطع صوته ، صمت المكان
عايزين واحد قلبة ميت , يروح الترب , في لليل , ويجيب معاه جمجمه
أي جمجمه؟ قالها عمي معوض متحفز
لاع ، الجمجمه اللي هتصرخ هيه اللي هيجيبها
وبدا يغزوني الرعب
بس انا برئ من اللي هيروح ، سوا كان راجل والا ست . فاحتلني الرعب
ماشي وعاوز الجمجمه دي ايمتي ؟ وكأن عمي قرر أن يجيبها ، فانتفض أبي
اعوذ بالله ، الله الغني يا عم ، اسكت ياد يا معوض ، عاوز تروح ، وامشي أنا ، وانت تموت ؟ ، نعمل اه ، لو لبستك حاجه في الجبانه ؟، الحمد لله ، انها جت علي قد كده ، كدا رضا
برطم البربري ،
هيه دي طلباتي ، ومن غيرها ، ما فيش علاج
وأسرع خارج البيت ، يلاحقه عمي . ولم تمر أيام حتي جاء عمي معوض ، ليلا ، ومعه برطمان ، مملؤ بالماء ، الذي نقعت به الجمجمه ، وأن علي أبي أن يغسل به رجليه ، ويلفها وينام ، وشرح عمي بحماسة ، طريقة الغسيل ، وأنا انظر غليه ، بانبهار ، كيف لم يعتبر بتحذيرات اخوه ، في اليوم التالي ، فوجئت بأبي ، ولم يكن النعاس قد نال مني طوال الليل ، يقف منتصبا ، يكاد – لولا الخجل – يرقص ، وطار الخبر ، بالبلد ، البربري ، شفي رجلين ابو ثابت ، ولولا شهامة معوض اخوه ، كان زمانه راقد مكانه
وانزاح الهم ، الملازم لنا ، ليظل الهم ، الوحيد الباقي ، عند انقضاء يوم من الأيام
وبعد الحادثة بشهور ، كنا ، انا وأبي وعمي ، ندرس القمح ، وعلق جلباب ، عمي بسير الدراسة ، فصرخ ابي ، بأعلي حسه ،
حاسب يا معوض
تذكرت ، الجو المكتوم الأنفاس ، وبرطعة الجاموس ، وهيجان ذكور البقر ، والزيطة ، واختي المنفوشة الشعر ، والبربري ، والجمجمه، وأدركت أن الجمجمه الشافية ، لا يمكن أن تكون ، إلا تلك الصارخة ، وليست أي جمجمه أخري
14 فبراير 2002

هناك تعليق واحد:

Guevara يقول...

مرحباً بعودتك يا درش ياللي (بتبث)أفكار غلط في الناس عمال على بطال
;)
اخيراً عرفنا سر الجمجمة الصارخة